السبت، 27 يوليو 2019



من درجات الابداع 

قد لا يحتاج الشاعر الى اكثر من الانكفاء المؤقت على النفس ، ثم اغلاق منافذ الوعي والانتباه المفتوحة الى الخارج ، واستحضار ذكرى الامر العظيم الذي مر به او الخطب الجليل الذي آلمه او المناسبة السعيدة التي مرت به او مشاعر الحب والوجد التي غمرت قلبه ، حتى تنثال على قلبه خطرات الالهام المنهمرة وكأنها ومضات ابداع قدحت في راسه ، ودفقات وجد فاضت على قلبه وتاجّجت فيه ، ورسائل وحي والهام بعثتها اليه ربات الشعر من فوق ، فالتمعت في راسه رؤى وافكار لم تكن لتمر عليه لو كان دائراً مع الاخرين في سورة التعامل والانشغال بمتطلبات الحياة في المجتمع ، وقد لا يحتاج الاديب المفكر اكثر من قلم وورقة ليسطر عليها بيراعة المتمرس رائعة من روائع الادب فتضحى خالدة يتناقلها القراء جيلا بعد جيل .. كل هذا جائز .. ولكن عند من ..؟ انها عند تلك الطبقة المتميزة ،  تلك التي حباها الله تعالى بقدرات وصفات لن نجدها عند غيرهم .. انهم اصحاب عقول متفتحة ومستويات شعور واسعة وخزائن معلومات كبيرة وارصدة معلومات تغطي مساحات شاسعة ، اذهانهم متوقدة وسيّالات الفكر عندهم تمضي على عجل ولهم قلوب نابضة وعواطف جياشة  ... وذكريات حاضرة وافكار جاهزة وابداع كامن يكاد ان ينطلق .
ولنا ان نحسب مجموعة اخرى من المبدعين على انها منهم ايضا ، فيهم اعلام فكر وادب ولهم محبون ومتابعون ولهم ابداعات ونتاج يدور بين المثقفين .. لكنهم يقفون على كفة اخرى مقابلة ومختلفة .. والاختلاف بين المجموعتين ، اختلاف طبع وتركيب جسمي فسلجي عصبي .. ذاك الاختلاف الذي يقربنا الى فهمه عالم النفس( هـ ج ايزنك )في كتبه - منها المترجم بعنوان الحقيقة والوهم في علم النفس - والدكتور المرحوم ( سامي الدروبي ) في مؤلفه علم الطباع المدرسة الفرنسية . فللاولى صفات نفسية وجسمية كثيرة منها سرعة التيار العصبي المنطلق من الدماغ نحو الخارج منه ، وانتقاله من عقدة عصبية الى اخرى ، وكذلك تداعي الافكار والمعاني على ذهن صاحبها بسرعة مطردة ، كلما اشتد انفعال الشخص ازداد التدفق وتوالت الافكار وازدادت حدة وكثرت ثراءً .. والعكس صحيح عند المجموعة الاخرى المقابلة نعني ان دفقات المعاني والافكار قد تتلكأ وتعجز عن اسعاف صاحبها كلما ازداد انفعاله حدة وشدة ،  فيستجدي اعماق نفسه  ومخزون دماغه ليجودا عليه بالفاظ تصور حاله وتتجاوز احراجه  (( المطالعات قديمة ومن وحيها جاء الذي تقدم ذكره )). الاول كلما ازداد انفعالا واشتدّ حماساً  زادت الفاضه تدفقاً ومعانيه ثراءً وحدّة .. اما الآخر فسيزداد عجزاً وبطئاً وتشتتاً وانهيارا ولن يسعفه الا التريث والتامل واستجماع قواه وافكاره .
قد تقدّم المجموعة الاولى اعمالا ابداعية تشهد لهم بالتفوق والتفرد دون التوقف طويلا عند مراحل الابداع التي اسهب في وصفها علماء النفس لما يتميزون به من السرعة في التفكير وفي استدعاء الذكريات والاحساس العميق بالمواقف المتازمة والسعة في ساحة الشعور ، لكن الامر غير ذلك عند المجموعة الثانية ، فهم بحاجة الى المكوث اطول عند محطات الانتاج الادبي او الفكري المبدع ، واحوج الى استجماع الموارد المفيدة في تقديم حلول ملهمة تشهد لهم بالاصالة في التفكير .. فلو طلب من احدهم كتابة مقال عن موضوع ما من المواضيع ، فسيسارع الى اقرب مكتبة او مركز انترنيت لتوفير المراجع التي تخدمه في كتابة المطلوب ، وهذا قد لا نجده عند المبدعين من الصنف الاول   ...

الثلاثاء، 23 يوليو 2019


ادمغتنا وما تعرفه


في قراءة  قديمة لكتاب ( الدماغ البشري عنوانه الإنكليزيThe Human Brain ) لمؤلفه ( إسحاق اسيموف Isaac Asimov ) مترجماً الى العربية اذكر عبارة تفيد بانه  لو مُكن للعلماء صنع جهاز بنفس قدرات الدماغ ، لاحتاجوا الى مادة بحجم الكرة الأرضية .. وقوله الآخرعن ( الزائدة الدودية ) عند الانسان ، انها  كانت المرة الأولى التي ضبط العلماء فيها الطبيعة بصنع جهازٍ عضوي لافائدة فيه وليس هناك أي مبرر يستلزم وجوده في جسم الانسان .. كان الكتاب قديما ، فقد الّفه في الستينات من القرن الماضي وما بين التاريخ ذاك وتاريخ اليوم فترة قصيرة في عمر الزمن لكنها كبيرة وهائلة فيما طرأ على العالم من تقدم في العلوم والصناعات والتكنولوجيا بشكل عام .
لقد شغلت مسألة العقل والوعي والدماغ المفكرين منذ بدايات عمر الفلسفة ، ولفلاسفة اليونان الاسبقين اراء كثيرة ، وقد تنبه منهم الى ان التفكير وفهم العالم عند الانسان امر نسبي ومرتبط بما تحدثه ظواهر البيئة والكون من انعكاس على المخيلة وان العقل منفعل بها ويبني احكامه وتصوراته وفقا لما ترسمه في راسه ، لقد ذهب بروتوجوراس الى ان ما يراه الشخص باعتباره (حقيقة) فهي حقيقة بعينه هو، وقد يراها آخر غير ذلك فالانسان في مذهبه مقياس الأشياء جميعاً .. اما سقراط فقد رأى ان المعرفة التي تتكون في اذهاننا آتية الينا من مصدر خارجي من ( عقل الالوهية الكامن في الوجود ) وليس في وسعنا في كل الأحوال ان نستمدها من الاحاسيس .
وعندما حان وقت النظر في مسائل تطور الاحياء وخاصة في الفترة التي ظهر فيها كتاب دارون ( اصل الأنواع ) وما سبقها او لحقها ايضا ،  احتل العقل الإنساني والدماغ البشري موقعه المتميز في دراساتهم واثيرت فيه الكثير من التساؤلات ، عن حقيقته وبنائه وقدرته وكفائته ، وقد اعتبره دارون من الأدوات التي تطوّرت لتزيد قدرة البشرية على التكيف مع الطبيعة ومواجهة اخطارها والسيطرة عليها لتكون في خدمة اغراضه ، وكم اغتاظ المؤمنون منهم (من أصحاب النظر الالي الملحد ) حينما جعلوا من الانسان كائناً حياً لايزيد على الدودة والفأر والكلب والقط والقرد الا بالدرجة من درجات سلم التطور والتحول الى الاعقد .. 
ومن اشد المعارضين والناقدين لفكرة الآلية هذه واكثرهم تأثيراً على تيارات الفكر الفلسفي والفني والعلمي ذلك الوقت ، الفيلسوف الفرنسي ( هنري برجسون ) قيل انه قد نال أيام دراسته منذ البداية ، جميع الجوائز التي خصصت للمتفوقين ، وله قدرة عالية على التحليل فكان ميالا لخوض غمار الفكر الميتافيزيقي الكامن وراء كل العلوم ودراسة الفلسفة بشكل عام ، و له من البلاغة وحسن الالقاء وأسلوب في الكتابة الواضحة ما بدا واضحا عند كل من تعرف به وقرأ له.. وان من بين المواضيع التي ركز عليها في البحث والتفكير في شكل لافت للانتباه ، موضوع الدماغ البشري والذاكرة والعلاقة بينهما وقد خصص الكتاب المترجم بعنوان ( المادة والذاكرة ) لهذا الشأن ، وهو من اشد ما كتبه صعوبة ، أراد به ان يحل مسألة تركيب الدماغ البشري ( الصغير في حجمه ) وعلاقته بالذاكرة الكبيرة التي يحملها كل شخص .. فلو امعنّا النظر بالكم الهائل من المعلومات التي نستذكرها بوعي منا او بدون وعي ونحن نتعامل مع مستجدات حياتنا اليومية ،لاحسسنا بالكم الهائل الذي يُختزن ، إذ ان لنا عن كل شخص مررنا به وتعارفنا عليه ذكرى خاصة به ، ولنا لكل مادة قرأناها واستحضرناها محتوى محفوظ وجاهز للظهور على شاشة الوعي ، وكم هي كثيرة اعداد من التقينا بهم او سمعنا عنهم وكم هوعدد الخبرات التي تعلمناها والأدوات التي استعملناها ، انها من الضخامة ، كضخامة المارد المحبوس في الجرة .. ولقد ذكر لنا حادثة – ونرجو العذر في أي خطأ فالكتابة من قراءة قديمة للكتاب – عامل البناء حينما نوموه مغناطيسيا وطلبوا منه وصف ( لبنة ) كان قد بناها في وقت سابق ولها ترتيب مع ما جاورها ودرجة في مستويات البناء ، فكان الوصف مطابقا بما يؤكد لنا ان لا شيء يفلت من اسر الذاكرة ، والكل حاضر للاسترجاع عند الطلب .. فليس من المدهش عندئذ السؤال عن الحقيقة التي تجمع هذا الكم العجيب من الذكريات مع كومة لحم لا تزيد على الكيلوغرام الا بقليل .. ولقد كانت الفكرة التي ابدعها ( برجسون ) لحل الاشكال – والكلام هنا من الذاكرة – هو ان تدور الذكريات كلها في دوامات اثيرية من خارج جسم الانسان وعلى سطح الدماغ المجهز باطارات تتركب عليها الذكريات المناسبة فنعيها نحن .. لقد كانت فرضية موفقة من صاحب عقل كبير وعبقرية لا يدانيها الاخرون .
لقد سبق ظهور كتاب برجسون ( المادة والذاكرة ) ما كتبه ( إسحاق اسيموف ) بما يزيد على الستين سنة .. وان ما أبداه ( برجسون ) من الاصالة في التفكير والحدة في الذكاء يفوق كثيراً الذي عند مؤلف ( الدماغ البشري ) بغض النظر عن ما تضمنه كلا الكتابين من المعلومات .
يبدو ان تطورات العلم والتقدم التكنولوجي ، قد جاءت باجوبة لكثير من التساؤلات التي اقضّت مضاجع الفلاسفة والمفكرين وعاشوا معها في حيرة وشك وهم .
وان مسألة الدماغ وعلاقته بالذكريات أصبحت عندنا معلومة ومفهومة ، وقريبة منا ، وبين أيدينا ، وما تطبيقات أجهزة الحاسوب واستخداماتها الا صورة من صور ما يجري في الدماغ البشري ، وبات التقارب بينهما حدا ان جعل من صناع الحواسيب وعلمائه يباشرون دراسة عمل الخلايا العصبية في الدماغ وتشريحها وتعيين المواد الداخلة فيها للاستفادة منها في تطوير أجهزة الحاسوب لتكون في نهاية الامر معينا للانسان في التطبيقات الصناعية والمعامل واستكشافات الفضاء الخارجي واعماق البحار وباطن الأرض ، ولمساعدة المصابين من البشر باضرار وعلل لها من العلاقة والارتباط بعمليات الدماغ .. فقد مكنهم الله تعالى ( والامر كله بيد الله وفضله ) من إعادة البصر- او التعرف – لفاقديه وكذلك السمع وباقي الحواس ومن تحريك الأعضاء المشلولة وهم عاكفون على انتاج شرائح الكترونية لزراعتها في الأجزاء التالفة من الدماغ بإمكانها تخزين المعلومات عند كبار السن و من يعانون امراضاً يفقدون فيها الذكريات ، وليحققوا أحلام طفولتنا حينما كنا نعاني من هم الدراسة والتحصيل وحرماننا من اتاحة الوقت الكافي للعب والتسلية وارتياد المتنزهات ، كم تمنيت حينها ان يضعوا لنا مناهج الدراسة في أقراص نتناولها حتى ولو بدون شربة ماء .
وما ينشرمن اخبار التكنولوجيا على صفحات الانترنيت في كل المجالات ومنها أجهزة الحاسوب ، امور تبعث على الاستغراب والعجب ، وربما الى صرخات الاحتجاج والغضب عند البعض ممن لم يكن لهم اطلاع على ما انجزه العلماء وينجزونه وهم اليوم قلة وليس لهم حضور مؤثر على توجهات وقرارات المسؤولين عن التعليم العام ومُعدي المناهج الهادفة  لنقل المستوى العام في امتنا الى ما يليق بها وتستحقه .. 
من الاخبار التي تبعث فينا الدهشة ما أعلنته دولة الصين عن بناء الحاسوب ( تيانهي -2) الذي يعتبر اسرع كمبيوتر خارق في العالم ( ذلك الوقت )، فقد استعملوا فيه ثمانين الف معالج وله سعة تخزين وذاكرة فائقين .. وقد قيل انه يعمل بسرعة تفوق سرعة دماغ الانسان الى حد كبير 
وكان انجاز مجموعة من العلماء عظيما يبهر العقل ويثير الدهشة حينما ادخلوا ما لديهم من احصائيات ومعلومات عن عشرة الاف مليون مجرة ، وعن الدخان الكوني ، والمادة المظلمة ، الى سوبر كمبيوتر ( يزن مائة الف كيلو غرام ) فقدم ( الكمبيوتر ) صورة عجيبة ( كنسيج عنكبوت )  .. وما اخبار التصوير  المدهش لثقب اسود  اخذت صور له من زوايا عديدة ( صارت معه الارض كلها عدسة تلسكوب فضائي خارق )ومدد طويلة ثم تولت الحواسيب المتقدمة امر تحليلها وتجميعها في اعظم صورة تشهد للانسان بالتفوق والنجاح في الانتاج العلمي ، ولمستقبل الروبوتات 
ومن انجازاتهم هبوط أجهزة استكشاف على اسطح بعض الكواكب والنيازك الكبيرة السابحة في افلاك السماء، وتم استخدامه في اجراء عمليات جراحية بدقة قد يعجز عن إنجازها امهر الأطباء . وادخلوه في قاعات شديدة الحرارة وقد تعصف بها غازات سامة او اشعاعات مضرة لا ينبغي للإنسان اجرائها حفاظاً على سلامته . واستعملوها في محاكات التجارب والظواهر الخطرة و المعقدة واحتساب النتائج المترتبة .
انني اسأل برنامج البحث في جوجل عن أي شيء ، فلا يعز عليه الجواب ، ولا يبخل بما لديه من معلومات أو يتهاون ، وفي ثواني قليلة يكشف عن مئات الالاف من نتائج البحث ، وبضغطة واحدة على أيّ منها يفتح لي محتويات قد يبلغ حجمها ما لا تستوعبه مكتبة المنزل ، كل هذا مع إمكانية اختيار اللغة ، او حصر نطاق البحث ، واذا ما أخطأت في كتابتي فانه يسأل ان كان المقصود غير الذي كتبته بل ويعرض الاسم الذي كنت اقصده ، حتى اني اشعر في احايين عدة وكأني جالس امام ممثل (جوجل) وجها لوجه ، انه يفهم ويضع في حساباته كثيرا من الاحتمالات .
ولولا الهفوات والاخطاء التي تبدر ، منها على سبيل المثال ذكر خبر كارثة وانهيار مبني او موت اعداد من البشر في حقل اسماه بـ (الترفيه) ، والتحذير الصادر من شخصية بارزة عن مخطط لنشر فتنة بين ابناء البلد تم ادراجه في حقل (الصحة ) .. ومصرع اشخاص واحتراق منزل خلال مشاجرة في حقل ( علوم وتكنولوجيا ) .. ومثله في الحقول الباقية ، لآمنت انهم قد بلغوا الذروة وقلدوا دماغ الانسان وتفوقوا عليه .. وما قيل عن جوجل نقوله على محركات البحث الأخرى بدون شك .
لقد فتح الله تعالى أبواب علم جديدة ( ولا نعرف ماالذي سيفتحه علينا بعد هذا ) وصارت تطبيقات النانوتكنولوجي كعصا ساحر يأتي بالعجائب ، واصبح في حكم الممكن صنع كمبيوترات باحجام صغيرة وقدرات هائلة ، ومن المؤكد مع هذه الاخبار ان الأبنية الكبيرة التي بنوها لاحتواء جهاز واحد من نوع ( سوبر كمبيوتر ) له من الوزن ما يزيد على المائة الف كيلو غرام ، ستختزل وتتقلص وتبلغ من الصغر في الحجم والوزن حدا مدهشا ، ومن الاخبار الواردة عن احلامهم – العلماء – تخزين معلومات يبلغ حجمها حجم مكتبة الكونجرس في رقاقة نانوية لاتزيد عن حجم رأس الدبوس ..
فسبحان الله الذي كرم الانسان باداة تشهد له بالعلم اللامتناهي والقدرة المطلقة والحكمة …  فالامر كله عجب و اعجاز في اعجاز ، ولا يكاد يصدق بل هو اشبه بافلام الخيال العلمي تحكي لنا عن جرثومة تنمو وتتطور واذا بها تعي وتفهم ثم تحكم وتتسيد وتستعبد .. فها هم أصحاب العلم وخياله يحلمون ويعلنون انهم شارفوا على الانتهاء من صنع روبوت يحاكي دماغ الانسان وله ذات خاصة به تعي وتفهم وتتعلم  ( ليس كالذي عند اليشر  بكل تاكيد ).. وبات أصحاب القصص والخيال على خوف من نتائج هذه الأبحاث وهي في طريق التطور والتحقق ومن اليوم الذي تنقلب فيه على سلطة الانسان وتجعل منه عبدا .. ( ولا بد من الاشارة الى مسألة الوعي والادراك والحرية والحدس والعاطفة  و.. و ..  انها من اشد المفاهيم والقدرات تحدياً  في مسيرة التطور الصناعي للحواسيب ومن المؤكد انها الاعجاز الذي يقف دونه الدماغ المصنّع ، اذ إن الذي في الدماغ هو غير الذي في المصنّع مهما تعقّد ، ففي العقل البشري ادراك وردود افعال نعيها نحن البشر وكل الذي في الروبوتات حسابات وبرامج وخوارزميات معقدة لا جامع لها الّا في ما هو خارج منها ولا اكثر ) 
 ليت اساتذتنا المختصين العارفين بالروبوت وصناعته وتاريخ تطوره وآفاق مستقبله يعلمونا ان كانت الامال المنشود بالوصول الى الالة ( الانسان ) في كل مواصفاته هي من الممكن حتى لو عسُر أم أحلام تدغدغ  رؤوس الحالمين كما دغدغت عواطف من مضى عليهم مائتا عام وهم يجزمون بان العقل هو نشاط دماغي وان الطبيعة بلا هدف وان العلم كفيل بحل رموز الوجود ، والمسألة هي مسألة وقت لا أكثر  .. العقول المصنعة هي غير التي في رؤوس البشر ، قد تتفوق المصنعة في سرع الانجاز وسعة التخزين مستقبلا  وقد تتعقد وتتعقد وتتمكن من التعلم الذاتي والاستفادة من الخبرات ، لكنها لن تزيد على انها جهاز تتحكم فيه برامج متطورة  وخواريزمات معقدة لا يجمعها ذلك الوعي والادراك والشعور الذي نحسه  ، نعم العقل المصنع آلة معقدة على صورة العقل البشري ، وحاله كحال كل ما صنعة الانسان من الاجهزة البسيطة والمعقدة ، ومثلما صنعنا اعضاء بديلة لجسم الانسان ، زودناه بعيون جميلة وقلوب قوية وارسلناه الى الفضاء واركبناه طائرات مريحة ها نحن نصنع الانسان الالي ذا القدرات الفائقة ، وليس لنا ان نظن ان سنن التطور ستجعل من الروبوت دماغا بشريا مهما طال الزمن وزيدت اليافه .. 
كان نهج الكائن الحي البسيط هو الحفاظ على حياته هو . ولقد عثر على خلايا منها ظلت الاف السنين متجرثمة في ظل ظروف غير ملائمة وقد استعادت نشاطها وباشرت حياتها مجددا حينما غيروا لها الظروف .. ومما يقال عن ( دببة الماء ) او ( خنازير الطحلب ) وهي كائنات صغيرة جدا معدل طولها 1.5 مللمتر، انها من اقوى كائنات الأرض ، فبامكانها العيش طويلا في احلك الظروف واقساها ، انها لا تتأثر اذا ما سخناها الى درجة الغليان واكثر او جمدناها ، وحتى لو سلطنا عليها ضغطا جويا عاليا جدا ، وقد واجهت الاشعاعات وأُرسلت الى الفضاء لأيام فعادت سالمة ووضعت بيضا وتفقس ..
لكن النهج تغير والخطة تبدلت وصار الذي يُحافظ عليه هو بقاء النوع وموت الآباء ليحل محلهم الأبناء ( واظن انها ظاهرة محرجة لنظرية التطور عندما تثبّت الاليات المحافظة على صمود الاحياء وبقاءها وتستبعد التي تجعل منها عرضة للموت والزوال ، هذا اذا لم يأتنا من يجعل منها الدليل الواضح على قوة خارجية دخلت الميدان لتوجّه .. انها تذكرنا بفلسفات هيجل وشوبنهور وبرجسون و برناردشو وما جاء فيها عن قوة واعية – الا شوبنهور فهي عنده عمياء – تتخذ طريقا خاصا عَبرحالات متغيرة من المادة وتطورها من بسيط الى اعقد ومن نوع الى اخر والقصد من كل هذا هو نمو الذكاء وظهور العقل وسيادته وانتصاره على المادة التي كانت صورته الابسط .. وللتحرر منها في نهاية الامر .
.. لقد ذهب فلاسفة الالحاد الى ان ما في الوجود هو ( المادة الازلية ) فقط ولا شيء سوى ذلك .. وذهب قسم من الفلاسفة المؤمنين الى ان الموجود هو ( مادة ازلية واله مدبر ، محرك ) وقد اقر اولئك المؤمنون بالمادة على اعتبار انها موجود ازلي لعجز العقول عن تصور انبثاقها من العدم  ( اللاشيء )، فإما ان تكون جزءاً من الله تعالى تحول الى شكله هذا بإرادة منه او هي قائمة بنفسها مع الله في ازليته .. وجاءنا من العلماء من يقر بان المادة حادثة وليست قائمة منذ الازل وان انبثاقها لم يكن بحاجة الى قوة داخلة عليها من الخارج ، فان فيها من الإمكان ما يدفع بها لتتحول من صورة الى أخرى ومن بسيط الى اعقد …
وصارت المعادلة بعد هذا ، ان ما في الوجود مادة فقط اما امكانات التطور والتغير والتبدل والتعقيد فكلها محمولة على المادة وصور لها ، تدفع بها نحو ما بلغته من الاختلاف والتطور ، وهي اشبه ما تكون بخلايا الكائن الحي فيها من الجينات ما يدفع بها لان تنموا وتتخصص وتكتمل .
ولعمري ان فرضية الفلاسفة المؤمنين بوجود المادة ( الازلية ) ومعها اله عالم حكيم مدبر لتعد اكثر منطقية من تلك التي ابقت على مادة انبثقت من العدم وفيها من الإمكان ما يفعل بها فعل الاله المدبر .. ( وبغض النظر عن فرضية الاكوان الموازية المتطايرة من وعاء يغلي كالمرجل )
واني لأرى في هذا، ان نسبة ذكاء أولئك الفلاسفة المؤمنين تفوق نسب  ذكاء من اخذ بفرضية وجودها ( الآنيّ الحادث ) بدرجات عديدة حتى ولو كان أصحابها ( الملحدون ) من العلماء الذين يُشهد لهم بعبقريتهم ومنهم بالذات ( ستيفن هوكينج ) ومن بعده ( ريشارد دوكينز ) .. وهي اقرب الى القبول عند عامة الناس وفي حسابات المنطق .. هذا بعد ان اخذنا بنظر الاعتبار ان ما يخوضون فيه داخلٌ في مجال الفلسفة اما حدود العلم فلا تتعدى جدران المختبرات واستعمال كل ما يفيدهم من الأدوات وأجهزة القياس وان جل ما يأمل به العالم هو فهم المادة وكيفية السيطرة عليها وتسخيرها بما يخدم البشرية ويديم الحياة ويرفع من مستويات التقدم والرقي ويحول الأرض الى جنة الله على الأرض . ومن الانصاف ذكر ان دعوى العالمين المذكورين وبالذات ( ستيفن هوكينج ) لم تنكر وجود الخالق ( جل الله وتعالى عما يخوضون فيه ) وانما إقرارالفرضية الذاهبة الى ان انبثاق المادة من العدم لم يكن بحاجة الى تدخل خارجي .. وهو إقرار يؤيد نظرة ديننا فما في الوجود عندنا هو ( الله الازلي الخالق والمادة التي لم تكن شيئاً مذكوراً ) .
استقر بعلمائنا الرأي على اننا لو تمكنا من ضرب المادة بمعاول الهدم لتهشمت ولم يبق امامنا الا أوتار اثيرية تهتز ، منها على شكل حلقات مغلقة والباقي مفتوح ، ومن تجمع هذه الأوليات وتنوع الاهتزازات تتكون اجسام المواد وتتنوع .. فيا لهذا التصور من الغرابة والاعجاز ويا لذكاء ( ديموقريطس ) حينما جاء – منذ خمسة وعشرين قرنا – بتصور مقارب إذ افترض ان اصل الكون ذرات صغيرة في حالة هبوط حر نحو الأسفل ومن اصطدامها وهي هابطة بعضاً ببعض وتجمعاتها ، نشات الاجسام وتكونت المادة وصار العالم على شكله الأخير . فاي تطور سننتهي اليه ، واية نظرية سنستقر عليها ، ومن يجرؤ من العلماء على انكار عدم معرفتهم ( العلماء ) بالذي سيطرأ .. واية حقائق ستبرز .. وهل ان الوجود مادة وحسب ، ولو امتلك الانسان حواس أخرى غير الخمسة التي عنده ، هل سيرى العالم ويفهم الوجود على نفس الحال الذي يراه اليوم .. دودة الأرض لن تعرف عن العالم الا بقدر ما لديها من حواس ولن تعرف الألوان وامواج الراديو وغيرها كثير ، اسماك البحرالتي تستقر في القعر وتعيش هناك ، تحيا وتموت وليس لها اية معرفة بالذي هو موجود خارج الماء ، والفأر لا يعرف القمر والشمس والنجوم ولا غاباتنا ولا .. ولا … والامر هو نفسه مع باقي أصناف الحيوان .. ادراك كل منها بقدر ما يتوفر من الحواس والمشاهدات .. وما قاله (إسحاق اسيموف) عن حجم المادة اللازم في بناء جهاز بكفاءة دماغ الانسان قد طرأ عليه ما يستوجب إعادة النظر، وقوله ان الطبيعة قد صنعت الزائدة الدودية وصارت عضوا من أعضاء جسم الانسان دون حاجة ولا مبرر ، قد كذبت الاكتشافات قوله وتبين ان لها دوراً مهماً في خزن وامداد الجسم ببكتريا مفيدة ولا ندري ما الذي سيكتشونه بعد ذلك .. ( إنها من خلق الله الذي احسن خلقه ) ومما بينه واوضحة لنا اساتذتنا المختصون بعلوم الفيزياء عن ابعاد المادة انها اكثر من الاربعة التي عرفناها فهناك احد عشر بعد .. ولو دفعنا براصد  ذي بعدين ( طول وعرض ) ليغوص في اعماق بحر عميق ثم مدّ احدنا اصبعه من الاعلى واخترق صفحته فان الراصد (ذا البعدين ) لن يراه كما نراه نحن بل (نقطة ) بلا بعد ثالث 
ونحن البشر ، ندرك ابعاداً ثلاثة وبالكاد ندرك الرابع ، والكون من احد عشر بعد ( ان كان صحيحا وربما اكثر ) مالذي سنراه اذا ما  مدّ الينا احد من الخارج اصبعه ... ؟؟
والمشكلة كل المشكلة ان العلم مهما تقدم لن يتخطى فرضية (ان الفهم لا يتم الا بادخال الموضوع الى مختبرات العلماء .. ولن نفهم الوجود الا اذا اعتصرناه في انبوبة الاختبار )

الثلاثاء، 4 يونيو 2019



بين الايمان والالحاد وحسن النوايا ومؤامرات الاستعمار والتخريب

للمقالة هدف منشود وتحليل ( متواضع ) لما يدور على صفحات الانترنيت الناطق بلغة العرب من دعوات ومناظرات وسباب وشتائم وقد تتعدى الى الركلات واللكمات بين من اعلن الحاده وتمرد على ربه وهجر دينه لعجزعقله في تقبل مسائل الايمان بالله تعالى على اسس وقواعد التفكير المنطقي الرصين ( على حسب ظنه )  وربما ابدى اشمئزازاً واستهجاناً  ونكراناً لكل محمدة أو مأثرة يُثنى بها على الدين ، وبين من قبض على الايمان بشدّة القابض على جمرة ، ينافح عن الدين كما ينافح المظلوم ظالمه ، يناظر ويحاور ويجادل ويفحم بكل ما يراه حجة قاطعة وجوابا مسكّتاً وفكرة مقنعة .. وقد يبدي البعض شجاعة نادرة في تخطي المقبول من مفردات الكلام والحركات ، ربما باعتبارها وسيلة ذكيّة لأسكات المقابل المتحرج ثم اجباره على الاشاحة بالوجه وتفادي سماع ما هو اقبح .. 
ارجو ان اوفق في ذلك  .. وارجو قبول انحيازي الواضح 

احقا ان تقدم الحضارة وتطور العلوم لا ينهضان في المجتمع الديني الذي يؤمن بالله رب العالمين وخالق الكون العظيم وباعث الانبياء والمرسلين يعلمون الناس ويهدونهم الى صراط مستقيم ومجتمع سليم وحضارة متقدمة يُحيون فيها مشاعر المحبة والائتلاف والتعاون والتضامن وإن اختلفوا بالاجناس والاديان ، فلا احقاد  ولا تشدد ولا اقتتال ولاحروب ولا سفك دماء ولا خراب ولا دمار .. قد يكون هذا حلماً جميلا ، واملاً وطيداً وانتظاراً بهيجاً ، انه الحال الجديرين به والصورة المشرفة التي تحلو بهم ، ويشهد عليه تلك المفاهيم العامة الدائرة بين الناس عن الايمان الذي لا يكتمل الا بحب الاخ لاخيه والجار لجاره ،  وبامان الناس من لسانه ويده و بوائقه وان لا ينام وهو يعلم ان جاره جائع .. ، لكن الذي قدموه على نقيض واختلاف فلا نراهم اليوم الا في تدهور وانحدار وانحطاط وخراب وموت حضاري وتدن اجتماعي وحروب ومعارك وتخلف وجهل انهم يموتون حضاريا ويتقهقرون ولا يتقدمون ، مستسلمون لا ينهضون ، متّكلون وعاجزون عن مواجهة التحديات ، يؤثرون اللهو واللعب ويمجون الجد في الامر والسعي والتحصيل ويرمون الحظ والنصيب بدعاوى الفشل والانكسار والاندثار ، انهم يقدمون للتاريخ صورة تبعث على التشاؤم والياس والالم 
وهل حقا إن من شأن بُنى الدين ان تكبل العقول وتحبس النفوس وتزهق الارواح وتميت القلوب وتعجز الامال وتثبّط الهمم فلا ابداع في الافق يخفق ، ولا شجاعة في الصدور تثبت ، ولا همة عالية تدفع النفوس الى اقتحام المجهول من المسالك ، وتجربة المطروح من مشاريع التغيير والتطوير والبناء ، واستكشاف الجديد من الافكار .. ؟ فان على الشعوب المتطلعة الى الحال الافضل ان تنفض الغبار وتكسر القيود وتفك الاقفال وتنطلق بلا تردد لترتقي سلالم التطور الثقافي والتكنولوجي والحضاري ، لا خرافات فيها ولا اوهام .. ؟ انها دعوى مقامة لدى محكمة العقل  ( المطلق ) يريد فيها  دعات التطور المادي والتقني والحضاري وضع الدين في اقفاص الاتهام ، مع انها مرامي واضحة واهداف مشخصة ومقاصد مباشرة لدعوات الى التفكر والتدبّر وإعمال العقل في ظواهر الطبيعة والارض والسماء  ..  يكفي امر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بدعوة طبيب يعالج مريضاً ولم يقل ارفعوا ايديكم الى السماء ..  
وهل ان علماء الاحياء والفيزياء الساعون لايجاد اجوبة عن اصل الكون وما فيه هم ملاحدة اقحاح ، لايؤمنون باله خالق ولاعالم روحي ولا دين سماوي ولا جنان تنتظر الصالحين ونيران تلتهم الطالحين من الناس .. فان بين العلم والدين حواجز لاتخترق ونفور لا عودة فيه وهما على طرفي طريق ممدود ان اقترب الواحد من احدهما زاد بعدا عن الاخر ..؟ 

وهل يصح ان يكون العقل حجة الملحدين لا المؤمنين ، صممته الطبيعة عبر مراحل التطور العجيب ليكون اداة يستعين بها الانسان في سعيه للسيطرة على المادة والطبيعة وتمكنه من التوافق والتكيف وحفظ الحياة والنوع  .. ام هو الدليل الامين الى طمانينة القلب وراحة النفس وثقةٍ برحمة الله رب العالمين وهو الاداة الصالحة التي اودعها الله الانسان يعمر بها الارض ويعبد خالقه .. ان في صور الحياة البسيطة الغير المعقدة مخلوقات لم تكن بحاجة الى عقول متطورة وادمغة معقدة لما لها من قدرة فائقة على العيش في الاوساط الصعبة والحرارة العالية او المنخفضة بشكل لا يصدق والضغط العالى او الواطئ والوسط الكيمياوي الغير المحتمل والاشعاعات الذرية الفتاكة وان منها من عاد الى صورته الحية وواصل دبيبه بعد ان بقى مدفونا تحت اطمار الثلوج لالاف السنين ، الامر الذي يبعث المتأمّل الى التساؤل عن الجدوى والحكمة من تضحية هذه الموجودات بنفسها لتستبدل الذي هو ادنى صمودا ومقاومة بالذي هو اعلى قدرة وكفاءة في الحفاظ على دفقة الحياة نابضة لالاف السنين . لقد كان (شوبنهور) و(برجسون) و(برنارد شو) وغيرهم مصيبين حينما امعنوا النظر في صور الحياة فلمحوا خيال قوة  ( واعية أو لا واعية )  تدفع بالموجودات نحو اهداف ذات دلائل على القصد والتدبير  ، بل هي عقل شقّ طريقه واعتلى العرش منفردا ، إن لم يكن يبغي الى تحطيم المادة وتحويلها الى ذرات عقل (مطلق ) ..  دفعت مملكتي النبات والحيوان على ما هما عليه من انفصال وافتراق لان يبتكرا سوية طريقة التزاوج بين فردين منفصلين ، الذكور والاناث .. وماذا عن الجمال والتناسق حينما  تسلّق السلم الذي ترتقيه الاحياء ووشّى وجوهها بازهى الالوان وصبّ اجسامها باجمل الهياكل ، اليس في هذه الرفقة  دلالة على القوة الواعية التي قصدها اصحاب العقول الجبارة المذكورون  ؟؟  
ان للعقل تفسيرين احدهما ذاك الذي امتطى ظهر اول خلية حية (المونيرا ) ثم انتصب ، وصار موجودا وظَهر، ارتبط بالخلية هذه وعليها اعتمد ، ينمو بنموها ويتعقد ان تعقدت وتطورت ، فهو في نمو وتطور واكتمال ، مهما تقدم يبقى ناقصا لا يبلغ الكمال . وكأنه الكرة التي تدفع بها حشرة الارض السوداء ( من الخنافس ) .. اما الاخر فانه منحة الخالق للانسان ، به ينير طريقه ويعرف الحق ، وبه يدرك الايات وحكمة الرب في الخلق ، وبه يبني ويصنع ويطور ويبدع 
ليس للملحد ان ينكر ان لاوليات العقل اسس لا تخضع للتجريب او الشك ، وان مجموع 1 الى 1 معلوم لا خطأ فيه ، والكل اكبر من الجزء وعلينا ان نلف و ندور لاثبات غير ذلك فهي مودعة في الرؤوس واوليات لا يتطرق اليها شك 
العقل في ذاته لم ينضج نضجا ما بعده بعد ، فقد كُتب عليه ان يحسن الامساك بزمام الخلية الحية الاولى في رحلتها الطويلة نحو افاق التخصص والتطور والاكتمال ، وليس له ان يطلق احكاما لم تستوف شروط التثبت والتحقق ، بل ان عليه ان لا يطلق حكما ولا يطمئن لتجربة ، لكننا نفكر ونجرب ونصنع ونبني وننتج وننتهي الى قوانين وقناعات ومسلمات 
فمن اين لنا اليقين بان الحديد بالحرارة يسخن وبالطرق يتمدد ونحن لم نخضع الحديد كله ( الموجود على الارض والموجود في اجواز الفضاء ) للتجربة ..؟ احكام آمنا بصدقها ولا ضامن لنا فيها الا ( عقل اودعه الله فينا سبحانه ) .. ؟
اليس اذن ان ما يشهده العالم الغربي وما ينعم به في ظل حضارة متقدمة و تكنولوجيا متقدمة قد شُيّد وفق تصاميم مبنية على اسس عقلية لم تقدمها لنا التجارب بل اوليات اودعها الله في العقل ( وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) 
يشهد العالم اليوم بزوغ نجم الالحاد متوسطا عنان السماء ، تتطلع اليه الانظار وتانس ببريقه قلوب المفتونين بتطبيقات العلوم وانجازات العلماء ، وله في بلداننا شباب مبهورون باضوائه اللامعة وهداياه المفرحة ، ويؤمنون بصحة دعوته ونبل غايته ونجاح وصاياه ، وليس ادل على ذلك من الانجازات العلمية والتقدم الحضاري والتطور التكنولوجي الذي يشهده الغرب ( حاضن الالحاد ) وما يمنّه علينا من عطاياه التي لولاها لبقينا ننام في الخيام ونمتطي صهوات الجياد 
امّا في اوطاننا ، فكثير من مفكريها يرى ان دعوة الالحاد دعوة مغرضة ، تستبطن مؤامرة وتخفي اسرارا  لو ادركها شبابنا لغيّروا مواقفهم ونصروا ربهم وتمسكوا بدينهم .. وان جوهر المشكلة هو تاخر قاطرتنا الواضح عن اللحاق بمن قطع اشواطا كثيرة وآماد بعيدة بما يدفع الى مشاعر الاحباط والياس وفقدان الثقة بسلامة العيون ووضوح الرؤى وبنية العقل وفقدان الثقة بالدين .. وكذلك فان من جوهر المشكلة الربط بين التقدم العلمي وعقلية الملحد الذي يرى العالم وفق قوانين قابلة للتجريب وكأن التقدم في العلوم والتطور في العمران ظواهر موقوفة ومرهونة بالتفكير الالحادي كما يرتهن الخِصب بالماء ، وكذلك الربط بين التخلف وعقلية المؤمن بالهٍ لايُرى بالعين وارواح واشباح تمشي بين الناس وملائكة تملأ اقطار السماوات .. وهذا ربط غير لازم واستدلال زائف وخاطىء تكذبه التجارب وتشهد عليه الوقائع ، فان التقدم العلمي قد يحالف المؤمن كما يحالف الملحد .. اما عن تاخرنا الذي يؤلم النفوس ويدمي القلوب ويقضّ المضاجع فله اسباب اخرى حددها اولئك المفكرون ، وعسى ان يوفق الله ساستنا الى ما يرأب الصدع ويصلح الحال ويعيد السفينة الى مسارها الصحيح . 
للشك آلية في النفس ، متعلقة بكل طارىء يعرض للانسان واختيار بين اثنين ومجهول ماثل لاخبرة لنا به .. وهو حالة صحيحة ما لم يتأزم ويشتد ليصير مرضا يلزم العلاج .. ونحن نتساءل ان كان الخبر صادقا ام كاذبا وان كان الشخص الواقف امامنا صديقا محبا ام عدوا حاقدا ، وان كان اختيارنا صحيحا ام خاطئا ، وان كانت قناعاتنا موفقة ام خرقاء .. قد يكون في الالحاد بعض من هذا الشك استفحل وتعاظم وران على القلب . وقد تكون في الخواطر التي نحسبها وساوس شيطانية وما هي من الشيطان تكاد ان تزعزع اليقين وتحير العقل لكنها حركة عقلية غريزية يستوثق فيها سلامة الموقف ويضع قدمه على الارض ثابتة ، فهي بهذا الفعل (محض الايمان) 
وللانبياء والرسل ( صلى الله عليهم وسلم ) مواقف فيها من الاشارات والدلائل التي تستدعي الانتباه والتفكر ، تلك التي كانوا فيها مع الله في تواصل ملك الروح والجوارح والنفوس والقلوب والفكر ، فسألوه ان يريهم كيف يحيى الموتى او ينظروا اليه لتطمئن قلوبهم وما في قلوبهم شك في وجوده وقدرته سبحانه .. فهل ان من الاسئلة التي آرقت ابناءنا فراحوا يجدّون في البحث عن ادلة تثبت وجود الله سبحانه ، شيء من جنس حركة النفس وارتعاشة القلب ووثبة العقل السليم ، وشيء من الذي بان في طلب الانبياء صلى الله عليهم وسلم ... ؟
ومن الذي يدعيه بعض مفكرينا ( وهم عادة ليسوا ممثلين رسميين عن المؤسسات الدينية بسبب الاعراض اللّازم عن اللغو ، وكذلك النأي بالنفس عن زج دعوة الايمان بما لا يليق بها ) ان تطورا كبيرا في اساليب الهجمة ، قد استهدفت الروح الصافية والقلوب المؤمنة والعقول السليمة والشباب البريء .. خلطوا عليهم الافكار وبلبلوا العقول وزلزلوها زلزالا شديدا مسح الذكريات المخزنة في الراس وبدّل القناعات المستقرة في القلب فصار الدين عندهم حاضنة الارهاب وداعية التخلف وقاتل الرحمة بين البشر وخانق العقول ومكبل الحريات ومروج الخرافات التي تعمي العيون وتغط الرؤس في برك الاوهام ، ويصرفهم عن رؤية الواقع المعاش ويردهم الى الماضي المندثر .. لا ابداع يعود بالفوائد ولا رأي سديد يهدي الى سبل النجاة والنجاح 
وهم يرون ان هجمتهم ممنهجة وبخطة مدبرة ورعاية مؤسسات خارجية متمكنة لها من الدراية والمعرفة والامكانات الهائلة ما يبعث الى اطمئنان دعاتها واحساسهم بالثقة والاقتدار والتحصن من الاخطار حتى لو افتضح امرهم وكشف سرهم وتنبه لخطرهم المسؤولون على حفظ الامن والاستقرار في البلد .. بل ويظنون ان الفوضى والاضطراب والاقتتال والخراب الذي يكاد يغطي بلدان منطقتنا اجمع انما بتدبير يسعى الى انصراف ساسة بلداننا عنهم وتجنيد الذي عندهم ليتداركوا المصير المرعب ويتجنبوا الاخطار المهلكة المحيقة ببلدانهم . ملكوا وسائل اعلام مؤثرة ، مواقع اجتماعية تشد المتابع وتاسر قلبه ، محطات التلفزيون ومنصات المسارح وصفحات الجرائد ومؤلفات احاطوا بها الناس اينما التفتوا ، لقد درسوا الانسان واطباعه ورغباته وحاجاته واطماعه ومواطن قوّته وضعفه وثغرات يدخلون منها الى النفس واعماقها ، والعقول وآفاقها ، يسلبون الارادة ويجمدون العقول ويخدرون الضمائر .. فيضحون هم الامل المرتجى والثقة العالية والخبر المقبول بلا تردد 
الحرب النفسية لعبتهم والتشويه والتشهير مهنتهم ومحاوطة الخصم والجام فمه وشل يده غايتهم .. يجوبون مواقع النشر ( منها الانترنيت ) يبحثون عن (اليرقات ) فيتابعونها ويرصدون انتاجها وتطورها ولا يفلت منهم الا من سار معهم ووافق امرهم او مات دونهم هذا ما فهمناه منهم  وان لم يصرحوا به نصاً 
لا نعدو الصواب إن رأينا ان في الموقف هذا كثيراً من المبالغة ومجانبة الحق ، فليس كل من اعلن عن الحاده وجاهر به سيء الطوية وخبيث النفس وعميل للغير وحصان طروادة تتسلل من خلاله قوى تروج لدعوات تهدف الى هدم البناء الحضاري كله من اسسه وقواعده حتى عمود السارية وعَلَمه ، ففي تمردهم روح ثائرة رافضة لمظاهر التخلف والانهيار وتطلع لمعاودة النهوض والمسير والاخذ باسباب التقدم والعلم والنجاح في بناء مجتمع سعيد وحضارة متقدمة ، ووجه الاختلاف هو نكرانهم لروح المجتمع الاسلامي وتراثه وتاريخه ونكرانهم لله رب العالمين وانتهاج مسيرة تخدم النوايا المبيتة والاهداف القاتلة التي لولاها لهان امر الحوار معهم ، يرى مفكرون ( لايلبسون الطرابيش والعمائم ) ان في الامر جهل مركب وتعتيم مفتعل غطّى على صور حضارة العرب ايام نهضتهم وان في الساحة الفكرية ما يكشف عن هذا اللبس وان من مفكري الغرب والمستشرقين من اشاد بها  وبدورها العظيم حينما نام الغرب واستيقظ العرب وحفظوا التراث الحضاري وا ضافوا عليه من عندهم وردوا للغرب الذي ناموا دونه وزيادة ، ان منهم ( المستشرقين ) من آلمه طرد العرب من الاندلس  وراى انهم لو بقوا لكان حال الغرب احسن واكثر رقيا ، وآخر راى ان تفوق العرب وظهورهم على الغرب لم يكن بقوة السلاح والعتاد بل بحسن السلوك ورقي حضارتهم ولمفكرينا دراسات ومناضرا ت سلطت الاضواء على التاريخ والمنجزات ودراسات المستشرقين ،افاضوا فيها واستطردوا وافحموا المدعين منهم وردوا شكوكهم ، لكننا اليوم نجادل ونناقش دون وعي بها ولا  معرفة ، والفكرة العامة عندنا  التي منها ننطلق ، ان كل ماهو  عائد الى ماضينا واعرافنا وطقوسنا مرفوض ومستقبح وان التمرد عليهم والخروج من دائرتهم اولى واجدر .. واعلامنا قد طاله التقصير والعجز ، وما نراه صورتين .. في احداهما تخلف وتدهور واقتتال وخراب وحروب ودمار ووجوه منهكة ونفوس حاقدة ومتعبة ، فهي متلازمة الايمان والدين ، اما الاخرى ففيها الرقي الحضاري والتطور التقني والسمو الفكري ومظاهر السعادة بين الناس ، لقد اعاد على اسماعنا احد اعلام الالحاد في اوساطنا  اليوم  - والالم يعتصر قلبه - كيف ان تصنيفا  عرقياً وضع العرب في درجة هي الاقرب الى درجات الحيوان . ان من الشريحة هذه مفكرين يابون ان يكونوا ادوات شطرنج تحركها عقول مغرضة ترمي الى كسر الحلقات التي تربطهم بالمجتع وعاداته والاطاحة بالثقة والايمان بالله والدين واستبعاد الامل في ان يعنّ لهم ما يعيدهم الى ما آمنوا به ولو بشيء من التطوير ، لا هم لهم بمتاع قليل ولا شهرة ومكانة مرموقة بين الناس ، وان جاءت اليهم فلانهم كفؤٌ لها وجديرون بها ، ربما صرحوا بالحادهم او اخفوه ، لكنهم يفخرون بما في سريرتهم من الاخلاص والصدق وجدّهم في البحث النزيه عما يرضي عقولهم ويطمئن نفوسهم ، و هؤلاء من جنس بناة الحضارة الصادقين سؤاء كانوا على ايمان او الحاد ، ومن جنس المبدعين والمخترعين والمكتشفين ، ومن الذين اذا مروا بغيرهم رثوا لحالهم وانكروا عليهم فعلهم 
وعلى العكس منهم ، اولئك الذين لا همّ لهم ان كان الله ( تعالى ) موجودا او غير موجود ، وكل الذي يبغونه متعة الدنيا وما يؤمنها من المال .. ولا مانع لهم من تقديم خدماتهم واستعمال قدراتهم في اي جانب او اتجاه ، يسخرون ويضحكون ويرسمون وينحتون ويقفون على خشبات المسارح ويكتبون القصص وينظمون الاشعار (( مع الاحترام والتقدير والاعتذار لكل اديب وفنان )) .. وهؤلاء هم الطامة الكبرى ولا ادري ان كانوا هم ممن أُطلق عليم اسم ( كلاب المجتمع السائبة ) 

الخميس، 30 مايو 2019








عقولنا في عصر الحضارة العريقة والمدنية المتطورة


احقا ان تقدم الحضارة وتطور العلوم لا ينهضان في المجتمع الديني الذي يؤمن بالله رب العالمين وخالق الكون العظيم وباعث الانبياء والمرسلين يعلمون الناس ويهدونهم الى صراط مستقيم ومجتمع سليم وحضارة متقدمة يُحيون فيها مشاعر المحبة والائتلاف والتعاون والتضامن وإن اختلفوا بالاجناس والاديان ، فلا احقاد  ولا تشدد ولا اقتتال ولاحروب ولا سفك دماء ولا خراب ولا دمار .. قد يكون هذا حلماً جميلا ، واملاً وطيداً وانتظاراً بهيجاً ، انه الحال الجديرين به والصورة المشرفة التي تحلو بهم ، ويشهد عليه تلك المفاهيم العامة الدائرة بين الناس عن الايمان الذي لا يكتمل الا بحب الاخ لاخيه والجار لجاره ،  وبامان الناس من لسانه ويده و بوائقه وان لا ينام وهو يعلم ان جاره جائع .. ، لكن الذي قدموه على نقيض واختلاف فلا نراهم اليوم الا في تدهور وانحدار وانحطاط وخراب وموت حضاري وتدن اجتماعي وحروب ومعارك وتخلف وجهل انهم يموتون حضاريا ويتقهقرون ولا يتقدمون ، مستسلمون لا ينهضون ، متّكلون وعاجزون عن مواجهة التحديات ، يؤثرون اللهو واللعب ويمجون الجد في الامر والسعي والتحصيل ويرمون الحظ والنصيب بدعاوى الفشل والانكسار والاندثار ، انهم يقدمون للتاريخ صورة تبعث على التشاؤم والياس والالم 
وهل حقا ان من شأن بُنى الدين ان تكبل العقول وتحبس النفوس وتزهق الارواح وتميت القلوب وتعجز الامال وتثبّط الهمم فلا ابداع في الافق يخفق ، ولا شجاعة في الصدور تثبت ، ولا همة عالية تدفع النفوس الى اقتحام المجهول من المسالك ، وتجربة المطروح من مشاريع التغيير والتطوير والبناء ، واستكشاف الجديد من الافكار .. ؟ فان على الشعوب المتطلعة الى الحال الافضل ان تنفض الغبار وتكسر القيود وتفك الاقفال وتنطلق بلا تردد لترتقي سلالم التطور الثقافي والتكنولوجي والحضاري ، لا خرافات فيها ولا اوهام .. ؟ انها دعوى مقامة لدى محكمة العقل  ( المطلق ) يريد فيها  دعات التطور المادي والتقني والحضاري وضع الدين في اقفاص الاتهام ، مع انها مرامي واضحة واهداف مشخصة ومقاصد مباشرة لدعوات الى التفكر والتدبّر وإعمال العقل في ظواهر الطبيعة والارض والسماء  ..  يكفي امر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بدعوة طبيب يعالج مريضاً ولم يقل ارفعوا ايديكم الى السماء ..  
وهل ان علماء الاحياء والفيزياء الساعون لايجاد اجوبة عن اصل الكون وما فيه هم ملاحدة اقحاح ، لايؤمنون باله خالق ولاعالم روحي ولا دين سماوي ولا جنان تنتظر الصالحين ونيران تلتهم الطالحين من الناس .. فان بين العلم والدين حواجز لاتخترق ونفور لا عودة فيه وهما على طرفي طريق ممدود ان اقترب الواحد من احدهما زاد بعدا عن الاخر ..؟ 

وهل يصح ان يكون العقل حجة الملحدين لا المؤمنين ، صممته الطبيعة عبر مراحل التطور العجيب ليكون اداة يستعين بها الانسان في سعيه للسيطرة على المادة والطبيعة وتمكنه من التوافق والتكيف وحفظ الحياة والنوع  .. ام هو الدليل الامين الى طمانينة القلب وراحة النفس وثقةٍ برحمة الله رب العالمين وهو الاداة الصالحة التي اودعها الله الانسان يعمر بها الارض ويعبد خالقه .. ان في صور الحياة البسيطة الغير المعقدة مخلوقات لم تكن بحاجة الى عقول متطورة وادمغة معقدة لما لها من قدرة فائقة على العيش في الاوساط الصعبة والحرارة العالية او المنخفضة بشكل لا يصدق والضغط العالى او الواطئ والوسط الكيمياوي الغير المحتمل والاشعاعات الذرية الفتاكة وان منها من عاد الى صورته الحية وواصل دبيبه بعد ان بقى مدفونا تحت اطمار الثلوج لالاف السنين ، الامر الذي يبعث المتأمّل الى التساؤل عن الجدوى والحكمة من تضحية هذه الموجودات بنفسها لتستبدل الذي هو ادنى صمودا ومقاومة بالذي هو اعلى قدرة وكفاءة في الحفاظ على دفقة الحياة نابضة لالاف السنين . لقد كان (شوبنهور) و(برجسون) و(برنارد شو) وغيرهم مصيبين حينما امعنوا النظر في صور الحياة فلمحوا خيال قوة  ( واعية أو لا واعية )  تدفع بالموجودات نحو اهداف ذات دلائل على القصد والتدبير  ، بل هي عقل شقّ طريقه واعتلى العرش منفردا ، إن لم يكن يبغي الى تحطيم المادة وتحويلها الى ذرات عقل (مطلق ) ..  دفعت مملكتي النبات والحيوان على ما هما عليه من انفصال وافتراق لان يبتكرا سوية طريقة التزاوج بين فردين منفصلين ، الذكور والاناث .. وماذا عن الجمال والتناسق حينما  تسلّق السلم الذي ترتقيه الاحياء ووشّى وجوهها بازهى الالوان وصبّ اجسامها باجمل الهياكل ، اليس في هذه الرفقة  دلالة على القوة الواعية التي قصدها اصحاب العقول الجبارة المذكورون  ؟؟  
ان للعقل تفسيرين احدهما ذاك الذي امتطى ظهر اول خلية حية (المونيرا ) ثم انتصب ، وصار موجودا وظَهر، ارتبط بالخلية هذه وعليها اعتمد ، ينمو بنموها ويتعقد ان تعقدت وتطورت ، فهو في نمو وتطور واكتمال ، مهما تقدم يبقى ناقصا لا يبلغ الكمال . وكأنه الكرة التي تدفع بها حشرة الارض السوداء ( من الخنافس ) .. اما الاخر فانه منحة الخالق للانسان ، به ينير طريقه ويعرف الحق ، وبه يدرك الايات وحكمة الرب في الخلق ، وبه يبني ويصنع ويطور ويبدع 
ليس للملحد ان ينكر ان لاوليات العقل اسس لا تخضع للتجريب او الشك ، وان مجموع 1 الى 1 معلوم لا خطأ فيه ، والكل اكبر من الجزء وعلينا ان نلف و ندور لاثبات غير ذلك فهي مودعة في الرؤوس واوليات لا يتطرق اليها شك 
العقل في ذاته لم ينضج نضجا ما بعده بعد ، فقد كُتب عليه ان يحسن الامساك بزمام الخلية الحية الاولى في رحلتها الطويلة نحو افاق التخصص والتطور والاكتمال ، وليس له ان يطلق احكاما لم تستوف شروط التثبت والتحقق ، بل ان عليه ان لا يطلق حكما ولا يطمئن لتجربة ، لكننا نفكر ونجرب ونصنع ونبني وننتج وننتهي الى قوانين وقناعات ومسلمات 
فمن اين لنا اليقين بان الحديد بالحرارة يسخن وبالطرق يتمدد ونحن لم نخضع الحديد كله ( الموجود على الارض والموجود في اجواز الفضاء ) للتجربة ..؟ احكام آمنا بصدقها ولا ضامن لنا فيها الا ( عقل اودعه الله فينا سبحانه ) .. ؟
اليس اذن ان ما يشهده العالم الغربي وما ينعم به في ظل حضارة متقدمة و تكنولوجيا متقدمة قد شُيّد وفق تصاميم مبنية على اسس عقلية لم تقدمها لنا التجارب بل اوليات اودعها الله في العقل ( وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) 
يشهد العالم اليوم بزوغ نجم الالحاد متوسطا عنان السماء ، تتطلع اليه الانظار وتانس ببريقه قلوب المفتونين بتطبيقات العلوم وانجازات العلماء ، وله في بلداننا شباب مبهورون باضوائه اللامعة وهداياه المفرحة ، ويؤمنون بصحة دعوته ونبل غايته ونجاح وصاياه ، وليس ادل على ذلك من الانجازات العلمية والتقدم الحضاري والتطور التكنولوجي الذي يشهده الغرب ( حاضن الالحاد ) وما يمنّه علينا من عطاياه التي لولاها لبقينا ننام في الخيام ونمتطي صهوات الجياد 
امّا في اوطاننا ، فكثير من مفكريها يرى ان دعوة الالحاد دعوة مغرضة ، تستبطن مؤامرة وتخفي اسرارا  لو ادركها شبابنا لغيّروا مواقفهم ونصروا ربهم وتمسكوا بدينهم .. وان جوهر المشكلة هو تاخر قاطرتنا الواضح عن اللحاق بمن قطع اشواطا كثيرة وآماد بعيدة بما يدفع الى مشاعر الاحباط والياس وفقدان الثقة بسلامة العيون ووضوح الرؤى وبنية العقل وفقدان الثقة بالدين .. وكذلك فان من جوهر المشكلة الربط بين التقدم العلمي وعقلية الملحد الذي يرى العالم وفق قوانين قابلة للتجريب وكأن التقدم في العلوم والتطور في العمران ظواهر موقوفة ومرهونة بالتفكير الالحادي كما يرتهن الخِصب بالماء ، وكذلك الربط بين التخلف وعقلية المؤمن بالهٍ لايُرى بالعين وارواح واشباح تمشي بين الناس وملائكة تملأ اقطار السماوات .. وهذا ربط غير لازم واستدلال زائف وخاطىء تكذبه التجارب وتشهد عليه الوقائع ، فان التقدم العلمي قد يحالف المؤمن كما يحالف الملحد .. اما عن تاخرنا الذي يؤلم النفوس ويدمي القلوب ويقضّ المضاجع فله اسباب اخرى حددها اولئك المفكرون ، وعسى ان يوفق الله ساستنا الى ما يرأب الصدع ويصلح الحال ويعيد السفينة الى مسارها الصحيح . 
للشك آلية في النفس ، متعلقة بكل طارىء يعرض للانسان واختيار بين اثنين ومجهول ماثل لاخبرة لنا به .. وهو حالة صحيحة ما لم يتأزم ويشتد ليصير مرضا يلزم العلاج .. ونحن نتساءل ان كان الخبر صادقا ام كاذبا وان كان الشخص الواقف امامنا صديقا محبا ام عدوا حاقدا ، وان كان اختيارنا صحيحا ام خاطئا ، وان كانت قناعاتنا موفقة ام خرقاء .. قد يكون في الالحاد بعض من هذا الشك استفحل وتعاظم وران على القلب . وقد تكون في الخواطر التي نحسبها وساوس شيطانية وما هي من الشيطان تكاد ان تزعزع اليقين وتحير العقل لكنها حركة عقلية غريزية يستوثق فيها سلامة الموقف ويضع قدمه على الارض ثابتة ، فهي بهذا الفعل (محض الايمان) 
وللانبياء والرسل ( صلى الله عليهم وسلم ) مواقف فيها من الاشارات والدلائل التي تستدعي الانتباه والتفكر ، تلك التي كانوا فيها مع الله في تواصل ملك الروح والجوارح والنفوس والقلوب والفكر ، فسألوه ان يريهم كيف يحيى الموتى او ينظروا اليه لتطمئن قلوبهم وما في قلوبهم شك في وجوده وقدرته سبحانه .. فهل ان من الاسئلة التي آرقت ابناءنا فراحوا يجدّون في البحث عن ادلة تثبت وجود الله سبحانه ، شيء من جنس حركة النفس وارتعاشة القلب ووثبة العقل السليم ، وشيء من الذي بان في طلب الانبياء صلى الله عليهم وسلم ... ؟
ومن الذي يدعيه بعض مفكرينا ( وهم عادة ليسوا ممثلين رسميين عن المؤسسات الدينية بسبب الاعراض اللّازم عن اللغو ، وكذلك النأي بالنفس عن زج دعوة الايمان بما لا يليق بها ) ان تطورا كبيرا في اساليب الهجمة ، قد استهدفت الروح الصافية والقلوب المؤمنة والعقول السليمة والشباب البريء .. خلطوا عليهم الافكار وبلبلوا العقول وزلزلوها زلزالا شديدا مسح الذكريات المخزنة في الراس وبدّل القناعات المستقرة في القلب فصار الدين عندهم حاضنة الارهاب وداعية التخلف وقاتل الرحمة بين البشر وخانق العقول ومكبل الحريات ومروج الخرافات التي تعمي العيون وتغط الرؤس في برك الاوهام ، ويصرفهم عن رؤية الواقع المعاش ويردهم الى الماضي المندثر .. لا ابداع يعود بالفوائد ولا رأي سديد يهدي الى سبل النجاة والنجاح 
وهم يرون ان هجمتهم ممنهجة وبخطة مدبرة ورعاية مؤسسات خارجية متمكنة لها من الدراية والمعرفة والامكانات الهائلة ما يبعث الى اطمئنان دعاتها واحساسهم بالثقة والاقتدار والتحصن من الاخطار حتى لو افتضح امرهم وكشف سرهم وتنبه لخطرهم المسؤولون على حفظ الامن والاستقرار في البلد .. بل ويظنون ان الفوضى والاضطراب والاقتتال والخراب الذي يكاد يغطي بلدان منطقتنا اجمع انما بتدبير يسعى الى انصراف ساسة بلداننا عنهم وتجنيد الذي عندهم ليتداركوا المصير المرعب ويتجنبوا الاخطار المهلكة المحيقة ببلدانهم . ملكوا وسائل اعلام مؤثرة ، مواقع اجتماعية تشد المتابع وتاسر قلبه ، محطات التلفزيون ومنصات المسارح وصفحات الجرائد ومؤلفات احاطوا بها الناس اينما التفتوا ، لقد درسوا الانسان واطباعه ورغباته وحاجاته واطماعه ومواطن قوّته وضعفه وثغرات يدخلون منها الى النفس واعماقها ، والعقول وآفاقها ، يسلبون الارادة ويجمدون العقول ويخدرون الضمائر .. فيضحون هم الامل المرتجى والثقة العالية والخبر المقبول بلا تردد 
الحرب النفسية لعبتهم والتشويه والتشهير مهنتهم ومحاوطة الخصم والجام فمه وشل يده غايتهم .. يجوبون مواقع النشر ( منها الانترنيت ) يبحثون عن (اليرقات ) فيتابعونها ويرصدون انتاجها وتطورها ولا يفلت منهم الا من سار معهم ووافق امرهم او مات دونهم هذا ما فهمناه منهم  وان لم يصرحوا به نصاً 
لا نعدو الصواب إن رأينا ان في الموقف هذا كثيراً من المبالغة ومجانبة الحق ، فليس كل من اعلن عن الحاده وجاهر به سيء الطوية وخبيث النفس وعميل للغير وحصان طروادة تتسلل من خلاله قوى تروج لدعوات تهدف الى هدم البناء الحضاري كله من اسسه وقواعده حتى عمود السارية وعَلَمه ، ففي تمردهم روح ثائرة رافضة لمظاهر التخلف والانهيار وتطلع لمعاودة النهوض والمسير والاخذ باسباب التقدم والعلم والنجاح في بناء مجتمع سعيد وحضارة متقدمة ، ووجه الاختلاف هو نكرانهم لروح المجتمع الاسلامي وتراثه وتاريخه ونكرانهم لله رب العالمين وانتهاج مسيرة تخدم النوايا المبيتة والاهداف القاتلة التي لولاها لهان امر الحوار معهم ، يرى مفكرون ( لايلبسون الطرابيش والعمائم ) ان في الامر جهل مركب وتعتيم مفتعل غطّى على صور حضارة العرب ايام نهضتهم وان في الساحة الفكرية ما يكشف عن هذا اللبس وان من مفكري الغرب والمستشرقين من اشاد بها  وبدورها العظيم حينما نام الغرب واستيقظ العرب وحفظوا التراث الحضاري وا ضافوا عليه من عندهم وردوا للغرب الذي ناموا دونه وزيادة ، ان منهم ( المستشرقين ) من آلمه طرد العرب من الاندلس  وراى انهم لو بقوا لكان حال الغرب احسن واكثر رقيا ، وآخر راى ان تفوق العرب وظهورهم على الغرب لم يكن بقوة السلاح والعتاد بل بحسن السلوك ورقي حضارتهم ولمفكرينا دراسات ومناضرا ت سلطت الاضواء على التاريخ والمنجزات ودراسات المستشرقين ،افاضوا فيها واستطردوا وافحموا المدعين منهم وردوا شكوكهم ، لكننا اليوم نجادل ونناقش دون وعي بها ولا  معرفة ، والفكرة العامة عندنا  التي منها ننطلق ، ان كل ماهو  عائد الى ماضينا واعرافنا وطقوسنا مرفوض ومستقبح وان التمرد عليهم والخروج من دائرتهم اولى واجدر .. واعلامنا قد طاله التقصير والعجز ، وما نراه صورتين .. في احداهما تخلف وتدهور واقتتال وخراب وحروب ودمار ووجوه منهكة ونفوس حاقدة ومتعبة ، فهي متلازمة الايمان والدين ، اما الاخرى ففيها الرقي الحضاري والتطور التقني والسمو الفكري ومظاهر السعادة بين الناس ، لقد اعاد على اسماعنا احد اعلام الالحاد في اوساطنا  اليوم  - والالم يعتصر قلبه - كيف ان تصنيفا  عرقياً وضع العرب في درجة هي الاقرب الى درجات الحيوان . ان من الشريحة هذه مفكرين يابون ان يكونوا ادوات شطرنج تحركها عقول مغرضة ترمي الى كسر الحلقات التي تربطهم بالمجتع وعاداته والاطاحة بالثقة والايمان بالله والدين واستبعاد الامل في ان يعنّ لهم ما يعيدهم الى ما آمنوا به ولو بشيء من التطوير ، لا هم لهم بمتاع قليل ولا شهرة ومكانة مرموقة بين الناس ، وان جاءت اليهم فلانهم كفؤً لها وجديرين بها ، ربما صرحوا بالحادهم او اخفوه ، لكنهم يفخرون بما في سريرتهم من الاخلاص والصدق وجدّهم في البحث النزيه عما يرضي عقولهم ويطمئن نفوسهم ، و هؤلاء من جنس بناة الحضارة الصادقين سؤاء كانوا على ايمان او الحاد ، ومن جنس المبدعين والمخترعين والمكتشفين ، ومن الذين اذا مروا بغيرهم رثوا لحالهم وانكروا عليهم فعلهم 
وعلى العكس منهم ، اولئك الذين لا همّ لهم ان كان الله ( تعالى ) موجودا او غير موجود ، وكل الذي يبغونه متعة الدنيا وما يؤمنها من المال .. ولا مانع لهم من تقديم خدماتهم واستعمال قدراتهم في اي جانب او اتجاه ، يسخرون ويضحكون ويرسمون وينحتون ويقفون على خشبات المسارح ويكتبون القصص وينظمون الاشعار (( مع الاحترام والتقدير والاعتذار لكل اديب وفنان )) .. وهؤلاء هم الطامة الكبرى ولا ادري ان كانوا هم ممن أُطلق عليم اسم ( كلاب المجتمع السائبة ) 

الثلاثاء، 28 مايو 2019



بين النقل والابداع


كلنا مبدع

من منا من لا يرى انه انسان مبدع و فنان متميز وفيلسوف له في كل امر وجهة نظر .... ؟
أرى ان الإجابة بالنفي مجانبة للصواب .. وان رد احد بان سقراط قد اعلن ذلك منذ اكثر من الف سنة وبيّن للناس انه جاهل وكل الذي يعرفه هو انه لا يعرف شيئا ، فذاك ادعاء لم يكن مؤمنا به في حقيقة الامر، بل هو أسلوب ابتدعه للتواصل مع مواطنيه وتعليمهم ، وليظهر لهم التناقض في تفكيرهم واقوالهم ، ودفعهم الى تبني اراء أخرى لم يكونوا مؤمنين بها ، اما عن نفسه فقد كان على علم بانه يعلم .

وكذا الذي يبديه اعلام الفكر الاخرون من جهل وحيرة امام الغاز الوجود وافاقه الرحبة ، فهو ضرب من الخُلق السامي وتواضع يليق بهم ان يبدوه ، وهو حال كل من أثقل العلم رأسه حتى مال وانحنى كما تنحي السنبلة عندما تمتلئ ، وهم في حقيقة الامر على معرفة بالمستوى الذي بلغوه والعلم الذي استوعبوه وعرفوا ان التقدم في المعارف والارتقاء بالعلوم يزيد الفهم ويوسع المدارك ، لكنه في ذات الوقت يكشف عن ابعاد لم تكن ظاهرة على شاشات الاحساس والشعور ، ويفتح أبواب التساؤل عن ظواهر كانت مختبئة خلف الاستار ، واحاجٍ لم تخطر لهم على بال ، وان بين العقل والحقيقة المطلقة هوّة كبيرة ، لها من العمق والاتساع ما يدفعهم الى الاعتقاد بحقيقة ان كلما زادت معارف الانسان وكبر عقله وتوقد ذكاؤه ، ازداد صغرا وضآلة امام حقائق الكون واسراره .
وما قيل عن العلماء نقوله عن الاخرين .. عن عامة الناس ، مثقفيهم وجهّالهم .. الكل يرى انه صاحب فكر متميز وعقل واسع ورؤية نافذة .. اننا نرى اليوم سماء الانترنيت ملأى بمواقع شخصية ومؤسسات متخصصة لاشك انها على مستوىً عالٍ من الفهم والعلم والخبرة والاختصاص لكن الاكثر هم اقرب الى الجهل وسوء الفهم وقلة التجربة وعدم الجديّة او الاكتراث ، ولا زلت اذكر زميلي الذي اعلن لنا - في لقاء تداورت بيننا فيه مشاكلنا الحياتية وتعقيداتها المزعجة -  انه لو اُختير رئيس دولة لقاد البلد نحو دروب التقدم والسعادة والرفاه ، ونحن اعلم الناس بما يعانيه من تدن في كل مستويات المعرفة والفكر السياسي الذي ليس له فيه نصيب .. من المؤكد انه قد تابع احداث بلدان العالم السياسية ومعاناة الشعوب اليومية عبر وسائط الاعلام المرئية والمقروءة وتبادل فيما بينه وبين الاخرين اطراف احاديث السياسة وقيادة الناس وإدارة مرافق الدولة كحال كل المجالس واللقاءات بين افراد العائلة والمقربين والمارين العابرين المستطرقين في الاماكن العامة والمقاهي والحافلات فكان لكل واحد منهم وجهة نظر.. اما هوفقد اعجبه رأيه ورأى انه فلتة من فلتات عقله وابداع ليس بمقدور الاخرين الاتيان بمثله ، وربما رفرفت ثيابه خيلاء وانبسطت اساريره اعجاباً وارتفع صدره ثقة وغمرته مشاعر الاعتداد بالنفس دون ان يدري انه جاهل وليس لديه رصيد  يصرفه في عوالم الادارة ولا أدوات مناسبة  ولا نفوذ واسع يستند اليه .. لعل الخطأ ( كل الخطأ ) اننا حينما نفكر نستخدم مفاهيم عامة كوّنّاها في نفوسنا وملأنا بها رؤوسنا بما فيها من سطحية وضبابية وغواش ، منها نستنتج ونقطع ونبتكر ونؤلف ونكتب ونربي ونوجه ويملؤنا يقين بان ما كان ماثلاً في عقولنا هو علوم الفيزياء والكيمياء والاجتماع والفلسفة والتاريخ والقرآن والحديث و .. و .. فكلها مخزونة في تلافيف ادمغتنا وطوع امرنا نتصرف بها انّى نشاء  .. لقد ذهب ارباب الفكر الاصلاء وتواروا وصاروا كالسراب ، وبرز  الجهّال السذّج قليلو الفطنة والنباهة والعلم فتكلموا كما تكلم اولو الفكر الاصيل والفهم العميق والذكاء المبدع الخلّاق وبتنا نستمع اليهم ونعجب بهم فلا نفرق بين الغِرِّ هذا وذاك الذكي الفاهم الفطن .
لقد ادرك سقراط – ان لم يكن خطأ - الحقيقة هذه وعرف احاسيس الناس ومشاعرهم وبيّن أن ما من مهنة الا ولها سر تنفرد به وعلى من أراد ممارستها التدرب عليها والتعلم فيها  الوقوف علي السر هذا قبل اي شيْ ، الا السياسة فهي المجال الذي يرى كل الناس ، على اختلافهم ، انهم مؤهلون لخوض غماره ، وانهم اصحاب نظر ورأي سديد يؤهلهم لاِحراز النجاحات فيه ..
ولا زال الامر باقٍ على صحته ، فان كان صحيحا أيام سقراط فهو صحيح في أيامنا هذه أيضا حتى وان استجدت في الفكر السياسي علوم لاحقة وخبرات متنوعة وقوانين ومعاهدات وتاريخ سياسي للأمم والحروب .. فهي تدور بشكلها العام حول محور حياة الشعوب وإدارة شئون البلدان ومعرفة الصالح والاصلح لهم .
وليس الذي قيل صحيح في مجال السياسة وقيادة الدول وحسب .. بل هو ظاهر وبين في أمور الفكر عامة .. والجاهل ( ان لم نقل والمثقفين في شكل عام ) يعيش دوماً إحساساً غامراَ يفرح قلبه وسروراً بما لديه من نظر ثاقب ومعرفة واسعة ورؤية واضحة .. وقد مرت بي أيام كنت اطالع فيها المواضيع المحببة الي وقد كتبت بأقلام كتاب مبدعين ، امتازوا بسعة العلم والقدرة على اثارة الدهشة والتساؤل والامعان في التفكير لدى الاخرين ، شعرت معها بالذي ناب الجهّال وظننت ان لي مدى نظر بعيد ، واني أرى اكثر مما يراه الغير، وادرك الأمور على مستوى عال من درجات الفهم والتبصر.. ولولا الشخص المزهوّ الذي عرض لي حينذاك ، ذاك الذي طلب مني سؤاله عن أي شيء ابغي معرفته ليقدم لي ما يشبع رغبة الفهم وينير ظلمة العقل ، فكان اول سؤالي عن ( كارل ماركس ) وفلسفته .. وصعق الذي ادعى العلم فدارى جهله بعبارة كانت حاضرة على السنة من انضووا تحت خيمة الفكر الجمعي الذي تبناه المجتمع ..
ورأيت نفسي واقفاً في مكان جاهلنا هذا ، وماذا لو سألني من لديه أسئلة عما ليس لي به علم او معرفة .. وادركت حقيقة ان ما تجمع لدي من معارف (( وهي قليلة جدا في حقيقة الامر )) لم تكن الا جوانب ضيقة من الفكر الذي قدمه اعلام الفكر الذين قرات لهم .. فيا لحرج من ادعى العلم وهو جاهل بل يا لعاره ، ويا لخيبة من زج بنفسه في مشهد يكشف نشازه ويظهر عواره ويُضحك الاخرين عليه .
ولو ادرك من ظن أن ليس في الدنيا شيء لا يعرف حقيقته ، انه صاحب نظر قصير وادراك محدود ، وان الخطأ انما يكمن في اعتقاده بان حدود العالم تنتهي بحدود عقله .. ولو كان حاله كحال الفيلسوف اليوناني القديم الذي تمنى بلوغ الحدود التي تنتهي اليها السماء ، ليمد عصاه خارجا فيعرف الذي يوجد هناك ... لأدرك ان بعد الحدود آماد بعيدة وحقائق كثيرة لم تعرف واسراراً لم تتكشف بعد .


كونفوشيوس عرف نفسه

من الذين عرفوا انفسهم فاعربوا عن رغبتهم بتولي منصب عالٍ في الحكم ، ذاك الذي وصفه احد المارين عليه في بلدته ( دون ان يعرفه ) فقال انه رأى رجلا قبيحا ، ذا وجه كئيب كوجه كلب ضال - كان قبيحا - له شفاه كشفاه الثور، وفم واسع كسعة البحر ، انه (( كونفوشيوس )) ذاك الرجل العظيم والمربي الكبير الذي اخفى روحه السامية وعقله الكبير وحكمته البالغة خلف قناع الجسد .. وكانّه يلقننا درساً بان لا يوهمنا المظهر يوما فنوقر السافل الدنيء الجبان ، ونهين ابيَّ النفس ، كريم الأصل عالي الاخلاق ...
لقد اعلن على الملأ يوماً ، ان لو أولاه الامراء منصبا لقدم للناس والبلد من الأعمال الجليلة ما يرقى بهم الى مستوى متقدم وبلغ بهم الكمال في فترة لن تتجاوز النيّف من السنين .. وقد تحقق له الحلم ، وأُسند اليه منصب كبير قضاة احدى المدن ، فاصدق وعده واثبت للعالم جدارته حتى شاع في وقته الشرف والامانة بين الناس وبلغ الحال ان لو سقط من احدهم شيء بقي في مكانه حتى يعاد اليه .. وأصبح الوفاء والإخلاص شيمة الرجال .
وترك للصين تراثا ، وفكرا، ومدرسة للأخلاق ، تتناقلها الاسلاف جيلا بعد جيل، ولم ينضب ماء النبع بل فاض وساح وتشعب في مساربه حتى غطى عموم الصين اجمع ، واضحت الكنفوشية الدين الرسمي للدولة ، وبقيت أفكاره على تاثيرها الفي عام من بعده .
ورغم كل هذه الهمة العالية والنفس الابيّة المتشوّفة الى ذرى المجد ، فقد كان متواضعا في عظمته ، ولم يدّع ان الذي جاء به أمر مستحدث وفكر مبتدع واخلاق صيغت من جديد ، بل هو النقل عن الاولين والاباطرة المعظمين ..
كان ينصح تلاميذه بالوضوح في الطرح والتفكير ، والصراحة في الإجابة عما يوجه اليهم من سؤال ، فان كان يعلم فليتمسك بقوله انه عالم ، اما ان جهل فليقر بذلك دون خجل .
وصف نفسه بانه ناقل وليس بمنشئ ، وكل الذي عمله لا يعدو نقل ما تعلمه من الغير اليهم ..
والسؤال الذي يعنينا من كل هذا .. الم يكن كونفوشيوس مبدعا في الفكر الذي تركه من بعده .. ؟
وهل الصحيح انه لم يقم الا بجمع كل التراث الخلقي للأسلاف وان الكتاب الذي جُمعت فيه أقواله ونصائحه ، لم يخرج عن الدعوة الى الالتزام بقوانين الاخلاق التي سادت والالتزام بقيمها .. ؟
لو كان الذي صاغه نقلا عن ما هو سائد قبله ، لخرج عمله صورة مطابقة للمنقول ، ولسادت الافكار القديمة بأسماء حامليها .. وليس من مبرر لأن تعيش المدرسة المسماة باسمه ( المدرسة الكونفوشية ) آلاف السنين ، وتندثر أسماء أصحابها الاولين ..
ان ما تميز به هذا الرجل هو حبه الشديد للتفرد ولا فرق عنده أن يتبوّأ مكانة اجتماعية بين الناس فيعرفونه او يظل نكرةً بينهم دون ان يلتفتوا اليه ، بل الأهم هو ان يكون جديرا باحترام الناس له ، وخليقا بان يعرف بينهم .
فما أروع هذا الخُلق وما احوجنا اليه ، ونرى ان في شيوعه بيننا إشاعة للمحبة والتسامح ، ولكُبح جماحُ العدوانية بيننا ولصار التنافس شريفا عندنا ، ولصار الكل اصيلا في سلوكه وتفكيره ، متفردا بشخصيته .
وكان حريصا على ان يعلم تلاميذه الّا يهاجموا غيرهم من المفكرين ويهدروا اوقاتهم بنقض أفكارهم .. ولعمري ان هذا ما يفتقده البعض من أصحاب القلم ، من الادباء والمفكرين الاعلام ، ومن كتاب المقالات على صفحات الانترنيت ، وإن كنا نرى ان في شيوعه بين – بعض - الاعلام ، حدة في الطبع وتعصبا في التفكير واعتزازا بما عندهم من الفكر، منهم على سبيل المثال ( العقاد ) و ( د . عبد الرحمن بدوي ) هم غير ملومين فيما ذهبوا فيه ، فما في عقولهم كم كبير وتفكير اصيل وابداع ونظر بعيد  .. وكان يحرص كل الحرص على ان يُعمل الطالب لديه عقله ويتجاوب مع أمور الفكر ومستجداته بذهن متفتح وعقل متفرد وشخصية لها كيان مستقل .. وتلك من مقومات الابداع وصفات المبتكرين .

الارتكاز على الماضي والانعطاف نحو المستقبل

عندما مر الحديث على ذكر (( كونفوشيوس )) لم يكن المعني به احياء ذكرى هذا الفيلسوف الحكيم والمربي العظيم والدعوة الى الاهتداء بتعاليمه وتثبيت القيم الروحية التي شاعت في مدرسته ، فلدينا من القيم الروحية والأخلاق السامية والنظرة المتكاملة ما يغنينا عن الحاجة الى نصيحته ، والمعني إذن هو اثارة السؤال عن الخيط الذي يربط كلاً من اطراف النقل والانشاء ، والاتباع والابداع ، والماضي والمستقبل ، والذكرى والاستشراف ..وان الفكر الذي تركه كونفوشيوس للصين لم يكن نقلاً لأخلاق الذين سبقوه وتاريخهم وحسب ، فلو كان الامر على هذه الصورة لم يخلّد اسم كونفوشيوس حتى عُبد، واصبحت تعاليمه مدرسة يتناقل افكارها الصينيون ويعلمونها أولادهم طوال الفي عام حتى حلّ النظام الشيوعي الحديث ، فالأجدر هو ان تُخلد أسماء أصحابها الأصليين فتطفوا ظاهرة على السطح وترددها الألسن .
لقد كان كتاب التاريخ الذي كتبه بيديه وتركه لاتباعه من بعده ، خليطا من احداث حقيقية عاشتها الصين في اعظم مراحلها وخطب واقاصيص وضعها من نفسه .. فكان عمله ابداعاً تفرد به لا صورة مستنسخة ، وقصصاً تاريخية وشّاها بزخرفه وفنّه في أسلوب الخطاب والعرض ، وعملاً فنيا يحمل بصمته . انه مبدع في ادارته وانشاء مدرسته وكتابة مؤلفه .
والمعني بعد هذا ان الابداع ، عمل تجتمع فيه ابعاد عديدة ، الخبرة والتجربة ، الإشكال والحل ، المأساة والامل ، ظواهر العالم و ديناميات العقل و ... و ... و ...ولو اجلنا النظر في العمليات الفكرية ( الواعية ) وآلياتها عند الانسان بشكل عام لادركنا ان ما قيل عن التأثيرات المتشابكة ( المؤثرة ) في صميم العملية الإبداعية هي نفسها حاضرة في ديمومة الوعي وانتقاله عبر ابعاد الماضي والحاضر والمستقبل .. ولو اجتزأنا الصورة التي تمر أمام اعيننا في هذه اللحظة من فلم سينمائي نشاهده واخضعناها الى التحليل ، لن نجد ابعاداً أخرى خارجة عنها ، لا ذكرى للّحظة الماضية ولا إحساس أو توقع لما سيحدث لاحقا .. اما عند الانسان فالأمر مختلف تماما .. اذ ان الوعي في كل لحظات مروره ، يتّكئ على ماضٍ مرّ به ويتطلع الى مستقبل آتيه لاحقا ، انه في حالة دائمة من الارتكاز على الماضي والانعطاف نحو المستقبل ، بحسب تعبير ( برجسون ) .
ففي لحظة الوعي الحاضرة عند كل انسان ، يجتمع الماضي بالمستقبل ، والاشكالات المستعصية بالحلول اللازمة لحلها ، والآلام التي عاناها بالآمال التي يرتجيها .. انها البِنية التي تشكل عقل الانسان وتحدد نهج تفكيره ، وتنتظم وفقها افكاره ..
ويتساوى في هذا كل واعٍ مفكر ، العادي والمتميز والفنان والعالم والمتبع والمبدع و المتخلف والعبقري .. 
وما قيل عن لحظات الوعي ، يقال عن تلك الاوقات التي يُنشئ فيها المبدع موضوعه المتميز ، فهو في كل الأحوال ابن بيئة يعيش فيها ، وارض يمشي عليها ، وأمة او جماعة ينتمى اليهم ويعيش بينهم .. وله طفولة قضاها ، وتربية استوعب مراميها ، واخلاق تشرّبها كما تتشرب الأرض ماء المطر ، تداخلت وتشابكت في أعماق نفسه وتركيبة ضميره ..
كان ( فيكتور هيجو) من المؤيدين لفكرة ان للعملية الإبداعية فترة تمهيد واعداد وتأمل ، وان للذكاء والذاكرة دور فاعل ومؤثر لا يتسنى لمخيلة المبدع ان تعمل بدونهما ، وان الالهام عنده كالطائر الذي يخرج من البيضة ، لم ينطلق الا بعد ان مرت عليه فترة رعاية واحتضان ورقاد .. وكأن هيجو يرد بهذا على من يرى ان في الابداع ضرباً من السحر والالهام الهابط من فوق او انفصالاً عن عالم الاهتمامات والانشغال بأمور حيواتنا اليومية .
وما ذهب اليه (هيجو) لم يكن بِدعا ، فهذا ( ادجار الان بو ) يصر على ان العملية الإبداعية موجهة في كل مراحلها وان الوعي والتوجيه في صياغة العمل انما يجريان وفق اهداف وغايات محددة ، كأن يلهب في نفوس قارئيه مشاعر الفرح او الحزن وان يضع لأشعاره قافية يحددها بنفسه ، ووقتاً يستغرقه العرض او الالقاء او القراءة اللازمة للعمل ..
وما يعنينا ان وعينا حينما يكون حاضرا في لحظات تفكيرنا المبدع فانه يدفع بأحداث ماضينا وتجاربنا التي مرت ، ومستقبلنا وأمانينا المرتجات لان تتشابك وتتفاعل فيما بينها وفق مسارات ما نملكه من مرونة في التفكير وحدة في الذكاء وقدرة على الاستنباط ، ليخرج العمل بعدها في صورة من الجدة والتفرد وكأنه إِلهام قد هبط علينا من السماء ونحن في غيبوبة وذهول . وان الالهام – ونعني به الابداع ، فالإلهام مرحلة من مراحله - لا يعني خلقا من العدم ، ولا هو شرارة تنقدح على حين فجأة في الرأس دون سبب .
( ويؤكد أصحاب النزعة الاجتماعية على ان للعوامل الوراثية والاجتماعية والتربوية والنفسية اثر بيّن في تكوين شخصية الفنان - المبدع - وفي تشكل ما ينتجه من عمل . ويؤكدون على ان مفهوم الأصالة الخالصة وهم وقع فيه أولئك الذين نظروا الى الفنان باعتباره كائناً غير ارضي ، هبط علينا من السماء ويتلقى الوحي من لدن موجود علوي .. وكلما وقعنا على تفصيلات حياة الفنان واهتدينا الى المصادر التي اخذ منها ، بدت نسبيته وصار عمله تأليفا بين أفكار قديمة وتعديلات على ما تلقاه من طرز فنية ... )
وليس ادل على ما مر بنا من تلك المراحل التي حددها دارسو الابداع ، فجعلوا للعمل المبدع مرحلة تهيؤ واعداد وتجميع للعناصر ذات العلاقة ، تأتي بعدها فترة ( اختمار ) يعاني فيها الفنان اشد لحظات القلق والتوتر لما يقوم به من جهد فكري – بوعي او بدون وعي - في تحديد الحالة وتحليل عناصرها والتعرف على خصائص كل منها ، ومن بعدُ ، الخروج باطار نهائي للفكرة .. ثم يأتي الالهام هابطاً وكأنه ومضة برق خاطفة ، انارت صفحة السماء واحالت الظلام الى نور يبهج القلب ويبعث السرور في النفس .
وماذا اذن عن الالهام الآتي الينا على هيئة حلم ونحن نائمون ، ساهون عن الواقع وشاردون ، وفي غفلة عما نعانيه من مخاوف أو قلق .. ؟ لقد حدثنا ( كوليردج) عن قصيدته الشهيرة ( كوبلاخان) وبين انه قد كتبها تحت تاثير حلم رآه .. وقال ( جوته) انه قد كتب روايته ( آلام فرتر ) وهو منصت الى هواجس آتيه اليه من أعماق نفسه .. بل قيل ان ( لامرتين ) كان يؤكد للآخرين ، انه لا يعمل تفكيره بالمواضيع التي تستهويه وانما أفكاره هي التي تفكر ، وماذا عن الاعمال الموسيقية العظيمة التي قدمها موزارت وهو في بدايات عمره ولم يتجاوز الرابعة عشر عاما بعد ..
اليس في الابداع شيء آخر هو غير الذي تحدثنا عنه ، غير الخبرة والتجارب و الماضي و المستقبل . قيل ان اول من استفاض في دراسة موضوعنا هذا هو افلاطون فقد خرج بنتيجة مفادها ان الابداع ( الفني) ضرب من الالهام او الجنون الإلهي ،
((وعلى هذا جاء الذين بعده ، من المتأثرين بمدرسته ، وراوا فيه الهاماً و سحرا واعجازا وقدرة غير عادية اختص بها اشخاص يتميزون بالاحساس المرهف والحدس اللماح والبصيرة الحادة والادراك النفاذ)) ..
لقد راى أصحاب هذا الرأي ان في الابداع شيئاً من الانفصال وقوة خارجة ( عليا فائقة للطبيعة ) ليست من مكونات العقل عند ذوي الالهام والابداع ، وان المُلهم فيه لا يعدو ان يصير(( واسطة وأداة ، فهو حينئذ لسان حال القوة الفائقة هذه )) . وبلغ بهم الحال ان يُعلوا من النزعة الذاهبة الى الإعراض عن المنبهات الاتية من المحيط وما يستتبعها من الضغوط المؤثرة على صفاء الذهن وانشراح النفس ، والاستغراق في التركيز على الداخل ، والاصغاء الى خطرات النفس الاتية من الأعماق ، بل الاصغاء الى همسات الوحي الآتي من ربات الشعروالالهام .. حتى ذهب الحال ببعضهم الى تناول العقاقير المهلوسة والمخدرات ، لعلّهم يحظون بلحظات من النشوة والوجد وجيشان الالفاظ والمعاني والخواطر المتواردة على عجل

السبت، 25 مايو 2019

كتابنا واصنافهم

كتابنا بين واحد من صنفين ، احدهما كبوتقة المختبر، يمتزج الداخل فيها من التجارب والملاحظات وكل ما عنّ له في الحياة فيكّون خليطا مختلفا او سبيكة متفردة لها من المواصفات ما تختلف فيه عن التي كانت عليه قبل التمازج والتمساك . وهو اشبه ما يكون بالنحلة عندما تجمع الرحيق من الازهار والنبات فيستحيل في بطنها عسلا شهياً وطعاما سائغا ولذة للشاربين ، وهذا هو الفنان والمبدع ..
الصنف الاخر ، يجمع الفكرة الى الفكرة كما يجتمع القوم بعضهم الى بعض ويلصق المشهد بالمشهد والصورة بالصورة كما تتلاصق صور الافلام ولن يكوّن المجموع حالة فريدة تبعث على الاعجاب ، وان استحسنه البعض فمع ادراك بانه كومة من فُتاة صخور صغيرة انحدرت من اعلى جبل عالٍ فتجمعت في قعر نهر ، وان في امكان من له العزم والصبر اعادتها الى ما كانت عليه .. وحال صاحبها كحال عصفور التقط حبات طعامه وهرسها في بطنه لتخرج بعدها في صورة تبعث على الاستهجان والاشمئزاز عند القارئ النبيه والناقد الحاذق (( وكاتب المقال يعترف دون امتعاظ او مضض انه مثال جيد لهم )) .. وهذا هو الجامع والمقتبس . 
قد يلجأ بعض كتاب الصنف الثاني الى تقديم نتاجاته بعبارات قصيرة تبعث في نفس من له قريحة وقادة وذهن صاف ونشيط وافكار متعمقة ومخيلة واسعة لان يجد فيها من الاشارات والمرامي ما يضعها في قائمة الاعمال المتميزة والادب الرفيع والحكم الخالدة ، وهؤلاء عباقرة اذكياء ، يعرفون كيف يرمون الشبكة ، لكنهم في حقيقة الامر عاجزون عن تقديم قطعة ادبية مطولة تثبت تفوقهم ولا تفضح سرّهم .. وهم اشبه بالرسام المبتدئ العاجز عن رسم لوحة طبيعية دقيقة فيلجأ الى الرسم على منوال مدارس الرسم التي تصنع اعمالها من ضربات فرشاة مبعثرة لا ضابط لها ولا نسق .
اما اصحاب الفكر المبدع فهم إن ارتأوا صبّ الذي يدور في عقولهم في قوالب صغيرة وعبارات قصيرة ، فحالهم مختلف اشبه مايكون بحال الرسام العبقري الكبير (( مايكل انجلو ان اصابت الذاكرة )) حينما رسم لاحد القادمين اليه صورة لم تستغرق اكثر من وقت حركة يديه المارة مرّاً سريعا تنثر الالوان وترسم الخطوط وتضفي عليها ملامح لوحته المطلوبة فدفع بها الى المشتري طالبا منه مبلغا رآه هذا كبيرا معللا ان رسمها لم يستغرق الا قليلا من الوقت ، وكان الرد بما معناه ( لقد استغرقت في رسمها عشرات السنين ) بمعنى انها ثمرة خبرة واسعة ونشاط دؤوب وكفاح مرير ومهارات تراكمت لديه منذ امد بعيد . . . 

الجمعة، 24 مايو 2019

سورة غضب



 سورة غضب


تزوج رجل نبيل امرأة يحبها حباً شديداً .. اصطحبها في نزهة يروّح عن نفسها ويريها جمال مزرعته الكبيرة وكثرة اشجارها وتنوع ازهارها .. اركبها احسن خيوله واغلاها عنده ..ثم انطلقا في مرح وفرح وفي قلب الزوجة امتنان لرعاية رجلها وما ابداه من عناية وحب ، حتى كاد ان يدفعها الى الاحساس بالزهو الطافح والغرور الظاهر والظن بان الذي تراه انما هو لجمالها الفائق وعلو شانها ورقي طبقتها الاجتماعية بين الناس .. وما ابداه الزوج كان يدعو للظن هذا واكثر .. وبان عنده في العديد من المواقف فقد كبا بها الفرس مرًة وكاد ان يسقطها على الارض لولا مسارعته ( الزوج) وتداركه للامر .. لم يسامح الفرس على فعلته بل انتهره – وكأنه يفهم - قائلا :- هذه الاولى ..  ثم انطلقا في نزهتهما الجميلة في ضحك ومرح وكأن العثرة لم تكن .. لكن سوء حظ الفرس قد عاوده فكبا مرة اخرى كما كان في الاولى لولا سرعة الزوج وحسن تصرفه ، اعجبت هي برجلها الشجاع الشهم وغمرتها سعادة وفرح وايقنت انها في رعاية بطل حياتها الى الابد ، وها هو يعاود وعيده للفرس ويكرر الذي قاله في الاولى في نبرة اقوى واشدّ :- انها الثانية ايها الفرس .. ثم انطلقا في لهوهما والتمتع بمشاهدة سواقي المياه الصافية وما تعكسه من صور الاشجار العالية والازهار الزاهية ولم يتنبها للحظ السيء الواقف في انتظارٍ وتربصٍ على المسار الذي يمر عليه الفرس .. فكبا هذا المسكين وتعثّر.. وما كان من الرجل النبيل الا ان قال في غضب : - انها الثالثة يا وغد فصوب بندقيته واطلق الرصاص على رأسه وارداه  صريعا على الارض .. ساد السكوت وعمّ الذهول وحارت الزوجة جوابا وما يلزم عليها من رد .. لكنها اجابت وعلى بالها ان رجلها قد قتل اعزّ خيوله واغلاها عنده ، اكراماً لها والتزاما باخلاق النبلاء الذين ينتمي اليهم ، و في الرد تأثر وتألم ومسحة غضب :- لم قتلت هذا المسكين .. افقدت عقلك ام ان بك تهوراً وسوء تقدير... ؟؟؟ فتح الرجل فاهه وتوسعت عيناه وارتفع حاجباه مع ملامح لم تفهمها فقال بشيء يوحي بالاستغراب والاكفهرار والتصميم :- هذه الاولى ...